أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

102

العقد الفريد

من إدراك ما فات من منطقك ، واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ، فحسن التدبير مع الاقتصاد أبقى لك من الكثير مع الفساد والحرفة « 1 » مع العفة خير من الغنى مع الفجور ، والمرء أحفظ لسره ، ولربما سعى فيما يضره ، وإياك والاتكال على الأماني ، فإنها بضائع النّوكى « 2 » ، وتثبّط عن الآخرة والأولى ، ومن خير حظ الدنيا القرين الصالح ، فقارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشر تبن عنهم ، ولا يغلبنّ عليك سوء الظن ، فإنه لن يدع بينك وبين خليل صلحا . أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب ، واعلم أن كفر النعمة لؤم ، وصحبة الأحمق شؤم ، ومن الكرم منع الحرم ، ومن حلم ساد ، ومن تفهم ازداد . امحض أخاك النصيحة « 3 » ، حسنة كانت أو قبيحة . لا تصرم أخاك على ارتياب ، ولا تقطعه دون استعتاب ، وليس جزاء من سرك أن تسوءه . الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك ، واعلم يا بني أنه مالك من دنياك إلا ما أصلحت به في مثواك ، فأنفق من خيرك . ولا تكن خازنا لغيرك ، وإن جزعت على ما يفلت من يديك ، فاجزع على ما لم يصل إليك ربما أخطأ البصير قصده ، وأبصر الأعمى رشده ، ولم يهلك امرؤ اقتصد ، ولم يفتقر من زهد . من ائتمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه . رأس الدين اليقين ، وتمام الإخلاص اجتناب المعاصي ، وخير المقال ما صدّقه الفعال . سل عن الرفيق قبل الطريق ، وعن الجار قبل الدار ، واحمل لصديقك عليك ، واقبل عذر من اعتذر إليك ، وأخّر الشر ما استطعت ، فإنك إذا شئت تعجلته . لا يكن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته ، وعلى الإساءة أقوى منك على الإحسان . لا تملّكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها ، فإن المرأة ريحانة ، وليست بقهرمانة ، فإنّ ذلك أدوم لحالها ، وأرخى لبالها ، واغضض بصرها بسترك ، واكففها بحجابك ، وأكرم الذين بهم تصول ، فإذا تطاولت « 4 » تطول . أسأل اللّه أن يلهمك الشكر والرشد : ويقوّيك على العمل بكل خير ، ويصرف عنك كل محذور برحمته . والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته .

--> ( 1 ) الحرفة : الضيق والاقلال . ( 2 ) النوكى : مفردها نوك وهو الأحمق . ( 3 ) امحض النصيحة : أخلص له وخصّه بها . ( 4 ) تطاولت : تكبّرت وترفعت .